صالح دياب / شاعر من سوريا
إنني حزين لموت سركون بولص حزين جدا. أخذت الخبر وأنا في مركز البريد. كنت ارسل مجموعتي الشعرية الجديدة، تلك المجموعة التي تتصل اتصالا بأمثال سركون، وكتابات سعدي الأخيرة وعدد من الشعراء الأجانب. فجأة أجهشت عيناي بالدموع.
قضيت عشرين يوما مع سركون في بلدة لوديف.الأيام المعدودة التي قضيتها معه، علمتني الكثير بالنسبة لعلاقة الشاعر بقصيدته وعلاقته هو مع العالم. إنه واحد من آخرين. لا بل أكثر الناس عادية. يعلمني سركون بولص الكثير الكثير عن مفهوم الشاعر. وألفته وعاديته. وزهده بالأوصاف والألقاب. ما زالت هذه الأيام تمدني ايضا بالزهد والنفور. الزهد من كامل الاستعراضات الشكلانية التي تعج بالمشهد الشعري العربي. والنفور ممن يسوقون لنصوصهم بوصفهم شعراء التجديد والتحديث، وسائر الخزعبلات التي لا تحيل إلا علي فقرهم الشعري. ولعل ما يعلمنا اياه سركون هو الهرب والابتعاد عن سائر التجريب اللغوي الذي أنتجه بعض الشعراء اللبنانيين في عملية محاكاة حرفية لبعض الشعراء الفرنسيين. يعلمني عدم التأليه والتقديس لأي اسم كان. ولأن قدر الشعر الحقيقي أن يبقي، ويثبت زمنيا فإن نصوص هؤلاء التجريبيين اللغويين لم تثبت زمنيا. ولم تعمر أبدا.كان شعره يعبر ويمر عبر الترجمة. الكثير من القراء الفرنسيين الذين التقيتهم وسألتهم عن أسماء الشعراء العرب الذين أحبوهم كانوا يجيبون، سركون بولص إنه شاعر كبير، وكلمة كبير هنا للتعبير عن الصدي الذي أحدثته بعض القصائد المترجمة أحيانا في شكل ارتجالي وعن عمق التأثر بشعر سركون.
قرأت سركون في مجلة شعر قبل أن أقرأ الحياة قرب الأكربول وسائر مجموعاته الشعرية. مازالت فضاءات قصائده تحوم في ذاكرتي وترن من شتاء في باريس ، إلي عامل المصافي الذي يرقص بأصابعه المقطوعة ليفتن النساء ومتسولة اثينا إلي شاعر عربي في المهجر. والنورس الذي يتبع السفينة في البحر، وجاء وتحت مئزره سكين. إنها حياة بأكملها كتبها سركون بالدم والعرق والنثر.
شعره يسكن ذاكرتي كما يؤسس معرفتي الشعرية أيضا.
كنت شديد التأمل في علاقة شعره بحياته. كنت في السنوات الأخيرة التي قضيتها في فرنسا أرتد ارتدادا عن كل الزعابير والمزعبرين من الشعراء ودجالي الحداثة ذوي ربطات العنق الذين يتباهون باتقانهم للغات عدة، وبتجريبهم اللغوي وتنظيراتهم الاستيهامية. كان سركون شاعرا وشخصا يساعدني، وأجده مثالا حقيقيا وذريعة علي ادارة الظهر لهذا النوع من الشعراء . يساعدني عبر قذفه الحياة الشخصية في القصيدة والقبض علي الشعر في عنف هذه الحياة وبساطتها وعاديتها، وعدم الاهتمام بكامل اشكال التنظيرات عن الاختراقات اللغوية وسائر جدرانها.
كان سركون يرصد حركته في المكان في سائر المدن التي مر بها. ويحدد ويسمي الأمكنة، ما يعطي حرارة وصدقية للمناخات التي توسلها المناخات التي لا تغادر محل حياته. في سائر البلدان التي مر بها، هو المسافر الأبدي. المكان الذي يسميه مدينة أين، التيه الأبدي. ومن ثم عدم الوصول.
قاموسه اللفظي الشاسع، والذي تنيره مفردات السفر والتنقل المستمرين وروائح النستالوجيا المستعادة، يرن في ذاكرتي. كان سركون ملتقي جغرافيات متعددة وأزمنة تتناسل من بعضها البعض. كسور العالم كله، في المدن التي عبرها تتجمع في ذاته. الماضي ممزوج بالحاضر والمستقبل في لحظة شعرية قبض عليها بروح الشاعر الأصيلة.
أحب شعره وأتبعه وأنتمي إليه بقوة الآن، ذلك الشعر الذي بمقدار ما يحفر في العالم يحفر في الأغوار السحيقة. وأصطدم وأندهش بالعالم الخارجي الذي يملأ قصيدته، وتلك اللاواقعية التي تنبثق من الجوهر الروحاني للشعر، والتي تلمع وتشع في كامل قصائد الشاعر. لغته التي هي حالة توق إلي اللانهائي وبحث خلف الأشياء بالمقدار نفسه تسعي إلي العالم وحرارته. هكذا يترافق في قصيدته الابحار في العالم والابحار في الذات ايضا.
قصائد تولد من قصائد وقصائد تلي قصائد وترعاها وتسهر عليها الكل متصل اتصالا ببعضه بعضا. إنها حياة من لحم ودم وعرق وتشرد وبرد، وليس من اللغة وألاعيبها.
الكآبة التي تتضمنها القصائد والحزن والاحساس القاسي بالغربة يشع ويسطع ايضا، في سرد وقص سحب منهما كل ما هو مستطرد ومسترهل.
الكلام العادي ملغما بالأحداث الصغيرة المسكونة بالشعر.
القصائد التي تحيل علي المشاهد الخارجية عارية رهان علي أن الشعر يوجد أيضا في الحياة عارية علي بديهيتها، ولا يحتاج احيانا إلي أي اشتغال لغوي علي الاطلاق.
أتعلم من قصيدة سركون بولص التي تنفتح علي عوالم متعددة و أزمنة مبعثرة. أتعلم من كون كل قصيدة تستعيد الظلال البعيدة من الذاكرة وتسجل اللحظات الحياتية للشاعر. قصيدته التي توهم بالوقوف عند الظاهر، بينما تذهب وتحفر عميقا، قابضة علي صوت الشاعر الداخلي، داخلة في حالة انخطاف في الذات عبر العالم. سركون أحد الينابيع الأساسية لشعرنا العربي الحديث، ولمستقبل القصيدة العربية الجديدة التي تكتب الآن.
ومجموعاته الشعرية ســـــــفر الألم والعذابات للشاعر الذي لم يرتض إلا الشعر طريقا وحياة. ايها الشاعر إننا حزينون لفقدك. إننا ننتمي إلي قصيدتك، وهي وجهنا واسمنا الجريحان.
طبعا سركون بولص لم يكن شاعرا فحسب وانما كان يمثل جيلا باكمله هذا الاشوري الصامد المحب لشعرهتى النخاغ لم يكن يريد كلمة او ثناء من احد فهو شاعر الاستثناءا ت بامتياز وصاحب الضمير الحي في قلوبنا وفي قلوب المحبين سركون هو ذلك الفارس الذي لم يترجل عن فرسه وانما ترك زمام الامور في مناصيها بمعنى احكم بقضة الشعر الذي توسل اليه وتوسل الينا بحب لا حدود له انه سركون الذي اراد ان يكون جميلا ورايعا وصامتا حتى في موته فهنيئا لنا وله هذا الالق المشع في وجهه يوم وارينا عليه التراب