فاضل العزاوي
لا شيء أكثر صعوبة من أن تفقد صديقاً عرفته طوال نصف قرن من الزمان، والأكثر من ذلك أن ترثيه. فإذا ما فعلت ذلك فكأنك ترثي نفسك أنت بالذات. ترثي تاريخاً لا تعرف كيف مر وانتهى. لا أريد أن أفكر في سركون خارج الحياة، لأنه سيكون ضد كل ما كتبه وعاشه في حياته، هو الذي لم يعتقد قط بأي نهاية لتلك الرحلة التي كانت قد بدأت ذات يوم في الحبانية وأينعت في كركوك ثم صارت شجرة باسقة عابرة للقارات.
عرفت سركون شاعراً حقيقياً منذ اللحظة الأولى التي التقيته فيها في مقهى في منطقة القورية في كركوك في العام 1958 وكنا لا نزال تلاميذ في المدرسة، حيث أطلعني على قصائده الأولى التي كان قد كتبها، ثم صرنا غالباً ما نلتقي في مقاهي كركوك او في غرفته الواقعة في بيت أهله في منطقة «التبة» القريبة من المقهى الذي كثيراً ما كنا نلعب فيه «البليارد» أيضاً الى جانب لعبة الشعر. كنا نجلس ساعات وساعات في تلك الغرفة الواقعة في نهاية الفناء ونقرأ ونحلل كل قصائد العالم ونحن نحتسي الشاي الذي كانت تقدمه لنا والدته. وحينما انتقلت بعد عام من ذلك الى الجامعة في بغداد كان سركون كلما قدم الى بغداد ليقيم عند أقارب له في منطقة «الدورة» يقضي معظم وقته معي، متنقلين من مقهى الى مقهى ومن شارع الى آخر.
ربما كان سركون الشخص الوحيد الذي لم أكن لأجد موضوعاً آخر أتحدث فيه معه غير الشعر، وكأن العالم خلق من الشعر وحده. كل ما عدا ذلك كان يعتبر شأناً ثانوياً لا قيمة كبيرة له. في كل مرة نلتقي فيها كنا نقرأ قصائدنا على بعضنا ونتحدث عن أهم الأعمال التي كنا قد اكتشفناها لتونا، وبالذات للشعراء والكتاب الأميركيين والإنكليز الذين كنا نتابع أعمالهم وإنجازاتهم بكل حرارة الأدب التي كانت وحدها تشكل معنى حياتنا. بعد أربعين عاماً من ذلك وكنا مدعوين الى مهرجان شعري في صنعاء قال لي سركون: «هل رأيت؟ يومها حين كنا نجلس في مقهى أطلس في كركوك لم نفكر في أن الشعر يمكن أن يقودنا حتى الى صنعاء، ولكنه قد فعل ذلك. أليس في هذا ما يشبه السحر؟»
أجل، كان الشعر في نظره شيئاً يشبه السحر. كل جملة، بل كل كلمة هي خلق جديد للعالم، ولذلك ينبغي لك الحذر دائماً حين تبتكر وصفتك الشعرية الكيماوية التي يكون أي خطأ فيها قاتلاً.
لم يكن سركون يحب العمل الوظيفي، فكرس بالمقابل كل حياته للشعر. ففي رأيه أن الشعر والعمل لا يتفقان. فإذا ما أردت أن تكون شاعراً عليك أن تهب حياتك كلها للشعر، بل أكثر من حياة إذا ما كان في إمكانك فعل ذلك. ولكن لذلك ثمنه الباهظ أيضاً، وهو القبول بالعزلة التي تفرضها على نفسك.
في كل الفترة الطويلة التي أمضاها سركون في سان فرنسيسكو ظل يعاني الوحدة والعزلة التي أثرت كثيراً على روحه وحيوية جسده، ولذلك كان يستغل كل فرصة للهروب من سجنه الأميركي ليكون حاضراً بين أصدقائه الكثيرين الذين يحبونه. وبالطبع كانت مغامرة كبيرة منه، وهو الناجي لتوه من مشكلات فعلية بالقلب، أن يترك أميركا قبل بضعة شهور ليحضر مهرجاناً شعرياً في لوديف وآخر في روتردام ثم أن ينتقل الى برلين ليمكث فيها، غير آبه بنصائح الأطباء وآلامه الجسدية. لكنه، وهو يفعل ذلك، بكل خياليته الشعرية، كان يهرب من وحش أكثر فتكاً، وحش عزلته الذي كان يخيفه أكثر من أي وحش آخر. لم يعتقد سركون في أي يوم بأنه يمكن أن يموت. وقد كان محقاً في ذلك.
صديق عمره ؟!! لماذا لم يزور الدكتور “فاضل العزاوي” صديق عمره “سركون بولص” و لو مرة واحدة و هو على فراش موته في المشفى البرليني ؟؟!! كل ما كان يفصله عنه هو بضعة محطات يقطعها قطار الأنفاق !! الآن يتحدث عن صداقة العمر التي بدأت في كركوك و إنتهت إلى موت الشاعر وحيداً .. وحيداً بكل معنى الكلمة .. لقد مارس “بولص” فعل الموت بمصداقية الطفل الذي كانه عن جدارة .. تماماً كما كان يمارس فعل الحياة بالشعر أو الشعر بالحياة .. لكن البؤس كل البؤس , سيبقى من نصيب الأسماء اللاصفة في السماء التجارة الأدبية , كأسم “العزاوي” .. فلم يحتمل الأخير أن يواجهه “بولص” بالحقيقة المرة , إذ ألمح و صرح مراراً إلى التزوير و الإفتعال الذي إرتكبه “العزاوي” في كتابه الموسوم ( جيل الستينات , الروح الحية ) !!.. إن كان للدكتور “فاضل العزاوي” أن يرد بتفنيد إدعائي فيما يتعلق بمقاطعته لسركون بولص ,, فأقول له بأن إسمي الذي ذيلت به مشاركتي هذه , هو إسمي الحقيقي و كذلك عنواني الإلكتروني , و زيادة على ذلك فأنا أقطن في برلين حيث توفي “بولص” و حيث يعيش هو ,, و عندي دليل قاطع لتفنيد إدعائه - الذي أدلى به في أكثر من مناسبة - بعدم علمه بوجود “بولص” بحالة حرجة في المستشفى !.. و كل من يريد أن يعرف شيئاً عن ما زعمته أنا حول النقد الحاد من قبل “بولص” للعزاوي , فما عليه سوى العودة إلى مقال منشور في موقع “الحافة” , هو عبارة عن مقابلة إجريت مع سركون في هولندا , و قد تحدث فيها بصراحة و من غير مراء عن ما جئت به حول نظرته للعزاوي , هذه النظرة التي بالتأكيد لم و لن ترضي الأخير و قد أقعد نفسه على عرش الثقافة “الستينية” و ما بعدها ……. ملوك من ورق لأمة ذاكرتها من ورق !!