أنسي الحاج
العراقيّون ملحميّون، ولو غنّوا الذات الوحيدة. سركون بولص، الذي انطفأ قبل أيام في برلين، أحد ممثّلي القوّة الأسطوريّة التي تعنيها بلاد نمرود والماء وجلجامش. منذ الستّينات كلّما تقابلنا كأنه يريد أن يقول لي شيئاً. ولم يَقُلْهُ. كذلك حين عدنا والتقينا في أوروبا الثمانينات. أراد أن يقول لي شيئاً، همّت به عيناه. ولم يَقُلْهُ.
«أقول للموت هنا،
يظنّني سفينةً والعقلَ دفّةً محطّمه
يظنّني علامة استفهام.
أقول للموت: مياه.
أقول: صوتْ.
أقول: لا.
أقول: سيف. سَمَكَةْ.
أقول أفواهٌ نساءٌ تثاؤبٌ طويلْ.
أقول أنت لي أقول ورقهْ
(أو سلَّمٌ وامرأةٌ مؤرّقهْ)
أقول دائره
أقول ساعةٌ أقول بابُ دارْ
أقول للموت هنا!
أَجرّهُ معي أُميتهُ معي».
(من قصيدة له بعنوان «تنويع على إيقاع»، مجلة «شعر»، العدد 36، خريف 1967).
بفضل عبد القادر الجنابي عرفتُ الكثير عن معاناة شبان عراق ذلك الزمان للحصول على القراءات الممنوعة، وعن جسارة انتهاجهم كتابة مختلفة، يوم «حُرّمت» قصيدة النثر بأوامر رسميّة. «جماعة كركوك»، جماعات أخرى، زرافات ووحداناً. كان الشعر لهم، مطالعةً وكتابة، عملاً سرّياً، تحت المعطف وأحياناً تحت اللغة، لغة ثانية ثالثة رابعة تحت اللغة.
جاء سركون بولص هارباً من العراق إلى لبنان. ومن لبنان طار إلى كاليفورنيا، ومن كاليفورنيا غرّد أينما كان، إلى أن حطّ في أحد المستشفيات الألمانيّة. الآشوري التائه.
لا يُعطى لأيٍّ كان أن يكون آشوريّاً، ولا أن يكون شاعراً، ولا عراقيّاً، ولا تائهاً. لا يُعطى لأيٍّ كان، ولا لأحد، إلاّ لهذا السطر: أن «يجرّ الموت معه».
والأصحّ، أن يجرّ الحياةَ وراءه.
هذا الشاعر العراقي يمثل حالة من ملايين حالات العراقيين الآشوريين المغتربين فالمستقبل الذي يرسمه الشخص في بلده بمجرد خروجه من بلده يضيع وهذا اصبح واقع للآشوريين في العراقيين فالكثير منهم خرجوا من بلدهم الاصلي غصبا عنهم استطاع المجرمين طردهم من بلادهم وللاسف هذه المأساة التي عاشها الشاعر سركون بولص تمثل مأسات الكثييييييير من الآشوريين والعراقيين ولكن لحسن الحظ بقي الآشوريون حتى في بلاد الغربة محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم وحضارتهم العراقية الآشورية
قد نقرأ سركون بولص بمعزل عن منفاه لأنه لم يستطع مغادرة العراق رغم أسفاره بل قل رغم الهروب نعم هو كتب النفى وهواجسه ومعاناته ولكن كان حضور الوطن طاغيا كلما اشتدت وطأة المنفى عليه لقد بقي متواصلا مع ذاكرته وحنينه بشكل حميم وجحيمي في الوقت ذاته لم يرتح سركون بولص حتى في موته لأن الحياة لم تتعبه كما أتعبه وطن رافقه في هروبه كعربة موت ..وداعا لأوطان تعلم بأي منفى تموت..
لينا