خالد المعالي
في الثاني والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2007 يوم الإثنين، الساعة الحادية عشرة صباحاً، كنتُ عندكَ في الطابق الأخير من ذلك المستشفى البرليني. كنتَ ممدداً في سريرك تنعم بالهدوء كما لم تنعم به طوال حياتك، وكنتُ أوشك أن أقول لنفسي «وأخيراً إرتاح»! الراحة التي يكثُر في هذه الأيام (وفي تلك أيضاً) تمنّيها، حيث كنّا، مؤيد الراوي وأنا، عاجزين، نراك وأنت غير قادر على الجلوس ولا على القيام، تدور في زوايا مأواك غير شاعر بحرارة المكان ولا ببرده! في ذلك المستشفى البرليني كنت تستريح إذاً وكأنك استحوذت على طمأنينة العالم وحولك تدور ممرضة أدهشني جمالها الصارخ، بل سألت نفسي عما إذا كانت هي ملاك الموت أم ملهمتك الشعرية وقد أضاعت طريقها!
في ذلك اليوم عادت إليّ تفاصيل تلك الأيام الطويلة، أيام الكسل والمماحكات ولحظات الصفاء والإمتاع - حيث كنّا نقلّب النصوص والكتب في الخيال وبين اليدين كمجوهرات في آخر ليل مدينة كولونيا - وكنت أمنّي النفس بكتابتها أو بكتابة بعضها على الأقل، وما ان أخال أن الصفاء قد أضحى قريباً منّي… وأحاول حتى تبقى الأبواب مغلقة والمشاهد تتباعد والصور تبهت ولا تلوح لي إلا قفشات من حديث هنا وأخرى من حديث هناك، فأبدو عاجزاً من جديد عن تدوين ما نويت تدوينه.
واليوم، وبعدما تركتُ سكناي هناك، وعُدتُ إلى الشرق بعد ثلاثين عاماً، إلى بيروت، ألقيتُ نظرةً على الصناديق القديمة كأرملٍ ورحلت معها إلى ماضيّ في هذه المدينة الأوروبية، إلى حياتي، وقد وصلتها محفوفاً بالعوز، والعطش إلى الحرية يشدّني، ولربما هو العطش ذاته الذي كظّك قبل أعوام طويلة وجعلك تعبر الحدود مشياً على الأقدام، هرباً من محبّة مواطنيك للتسلّط والتخلّف. لم يكن منظر السنوات هذه الذي تسرده لي هذه الصناديق القديمة مسرّاً، لكن المريح فيه أنه مرآة ثابتة لأعوامنا الماضية، لكلّ ما قمنا به، لكل ما تعرضنا له من سكوت وتجاهل… لكلّ أفراحنا وأتراحنا! لكلّ الجدّ والكدّ والتشبّث بالحرف، وهو أيضاً يعرض لنا صورةً لأسراب من جيوش اللؤم والبؤس وهي تزحف معنا خطوة خطوة طلباً لتلك الشهرة الملعونة، ألم تكن تلك الشهرة أكبر الأعداء؟ فكل ما كان في اليد هو لنا، نجلس لكي نهيم حقاً في غابة الشعر وكلما ازددنا تيهاً، زدنا فرحاً، فالكتاب الأهم بالنسبة إلينا هو الذي لم نكتبه بعد، فنحن نجلس دائماً مُدانين وفقراء وطلاّب رؤيا قد يلوحُ لنا طرفها في حضرة هذا الماضي الشعري.
الشعر الذي كتبته والذي ترجمته ربما عافاك من لجّة الصخّابين وأراحك في مكانـك، حيث تـريد أن تنزوي، رغبة في الاختلاء بالنفس، بعيـداً من طموحات عادية لم تعُد تُدرك إلا بالانكفاء، مطمئـناً إلى اليد ذاتها، حيث ذاتك تترجم عن نفسها.